محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولا يمتنع منه . وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عز ذكره قد كان حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما ، وأن المقتول قال لأخيه : ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إلي يدك ؛ لأنه كان حراما عليه من قتل أخيه مثل الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله . فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله ، فلا دلالة على أن القاتل حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازم منه ومحاول من قتله ، فترك دفعه عن نفسه ؛ بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلة ، اغتاله وهو نائم ، فشدخ رأسه بصخرة . فإذا كان ذلك ممكنا ، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه من قتله ، لم يكن جائزا ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمه . وأما تأويل قوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فإني أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك . رَبَّ الْعالَمِينَ يعني : مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك . القول في تأويل قوله تعالى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي وإثمك في معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في حديثه عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس . وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول بقتلك إياي ، وإثمك قبل ذلك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ قال : بإثم قتلي وإثمك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي ، تبوء بهما جميعا . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إني أريد أن تبوء بقتلك إياي . وَإِثْمِكَ قال : بما كان منك قبل ذلك . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثني عبيد بن سليم ، عن الضحاك ، قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ قال : أما إثمك ، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس ، يعني أخاه . وأما إثمه : فقتله أخاه . وكأن قائلي هذه المقالة إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي و . . . وجهوا تأويل قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي إني أريد أن تبوء بإثم قتلي ، فحذف القتل واكتفى بذكر الإثم ، إذ كان مفهوما معناه عند المخاطبين به . وقال آخرون : معنى ذلك : إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي . وهذا قول وجدته عن مجاهد ، وأخشى أن يكون غلطا ، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي ، فتبوء بهما جميعا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن تأويله : إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي ، وذلك هو معنى قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وأما معنى وَإِثْمِكَ فهو إثمه بغير قتله ، وذلك معصية الله جل ثناؤه في أعمال سواه . وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه ، لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه ، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله . فإن قال قائل : أوليس قتل المقتول من بني آدم كان معصية لله من القاتل ؟ قيل : بلى ، وأعظم بها معصية فإن قال :